سيد محمد طنطاوي
133
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
و * ( أَنَّا لَمَسْنَا ) * . . و * ( أَنَّا كُنَّا ) * . . و * ( أَنَّا لا نَدْرِي ) * . . و * ( أَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ ) * . . و * ( أَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدى ) * . . و * ( أَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ ) * « 1 » . وقوله : * ( تَعالى ) * من التعالي وهو شدة العلو . و * ( جَدُّ رَبِّنا ) * الجد - بفتح الجيم - العظمة والجلال . قال القرطبي : الجد في اللغة : العظمة والجلال ، ومنه قول أنس : كان الرجل إذا حفظ البقرة وآل عمران جد في عيوننا . أي : عظم . فمعنى جد ربنا : عظمته وجلاله . وقيل معنى « جد ربنا . . . » : غناه ، ومنه قيل للحظ جد . ورجل مجدود ، أي : محظوظ . وفي الحديث : « ولا ينفع ذا الجد منك الجد » أي : ولا ينفع ذا الغنى منك غناه ، وإنما تنفعه الطاعة . . « 2 » . وجملة * ( مَا اتَّخَذَ صاحِبَةً ولا وَلَداً ) * بيان وتفسير لما قبله . أي : آمنا به - سبحانه - إيمانا حقا ، وصدقنا نبيه فيما جاءنا به من عنده ، وصدقنا - أيضا - أن الحال والشأن تعالى وتعاظم جلال ربنا ، وتنزه في ذاته وصفاته ، عن أن يكون له شريك في ملكه . أو أن تكون له صاحبة أو أن يكون له ولد ، كما زعم الزاعمون من الكافرين الجاهلين . وفي هذا القول من هذا النفر من الجن ، رد على أولئك المشركين الذين كانوا يزعمون أن الملائكة بنات اللَّه - تعالى - ، وأنهم - أي الملائكة - جاؤوا عن طريق مصاهرته - سبحانه - للجن ، كما حكى عنهم - سبحانه - ذلك في قوله : وجَعَلُوا بَيْنَه وبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَباً ، ولَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ ، سُبْحانَ اللَّه عَمَّا يَصِفُونَ . ثم حكى - سبحانه - أقوالا أخرى لهؤلاء المؤمنين من الجن فقال : * ( وأَنَّه كانَ يَقُولُ سَفِيهُنا عَلَى اللَّه شَطَطاً . . ) * والمراد بالسفيه هنا : إبليس - لعنه اللَّه - ، وقيل المراد به الجنس فيشمل كل كافر ومتمرد من الجن ، والشطط ، مجاوزة الحد والعدل في كل شيء ، أي : أننا ننزه اللَّه - تعالى - عما كان يقوله سفهاؤنا - وعلى رأسهم إبليس - من أن للَّه - عز وجل - صاحبة أو ولدا ، فإن هذا القول بعيد كل البعد عن الحق والعدل والصواب . وقوله : * ( وأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ تَقُولَ الإِنْسُ والْجِنُّ عَلَى اللَّه كَذِباً ) * اعتذار منهم عن كفرهم السابق ، فكأنهم يقولون بعد أن استمعوا إلى القرآن ، وآمنوا باللَّه - تعالى - وحده : إننا
--> ( 1 ) حاشية الجمل على الجلالين ج 4 ص 416 . ( 2 ) تفسير القرطبي ج 19 ص 8 .